الإثنين, أكتوبر 14

خطابات من زمن فات

غوغل بنترست لينكـد ان تمبلر +

يعيش الانسان دوماً يبحث عن صديق، صغيرًا كان أو كبيرًا، جاهلًا أو مُتعلّمًا، غنيًّا أو فقيرًا. يبحث دوماً عن آخر يتحدث إليه، يُفضي إليه ما في داخله دون تكلّف، أو يبحث عمّن يُشاركه هواياته أو جنونه! ومن أجل البقاء في مأمن عن سخرية الآخرين، يتطلّع في أحيان كثيرة عن شخص خارج محيطه بل أحياناً خارج وطنه، عن الصديق الذي لا يُمثّل خطراً عليه لو قرر فجأة أن يفشي أسراره. هناك سبب آخر للبحث عن صديق خارج النطاق الذي يحيط بنا، هو الرغبة في اكتشاف الآخر، الفضول لمعرفة أنواع مختلفة من البشر يعيشون خلف محيطات تفصلنا عنهم!

في نهاية عام 1992 حدّثنا مُدرس اللغة الفرنسية في مدرستي عن أهمية تحسين مستوى لغتنا الفرنسية، ولأن الممارسة هي أفضل طريقة للحفاظ على تطوّر اللغة، فقد أشار علينا أن ننضم إلى برنامج خاص بُطلّاب المدارس بين مصر وفرنسا، يتيح لنا ذلك الفرصة لمراسلة طلبة في أعمارنا، وبهذا نضمن ممارسة ممتازة للغة، ونكتسب أصدقاءً من فرنسا ذلك البلد المُبهر في عيوننا آنذاك. اختمرت الفكرة في أذهان بعضنا وأمددناه بأسمائنا، لننتظر بضعة أشهر حتى يأتينا الرد من الخارج.

كان ذلك عندما أخبرني صديق لي بأنني أستطيع أن أراسل أشخاصاً من حول العالم بعيدًا عن اختيارات المدارس السخيفة، بل وأستطيع أن أختار الدول التي سأراسلها حسب رغبتي، ناهيك عن اختيارات السن والجنس والهوايات، والأهم من كل ذلك أن التراسل سيكون باللغة الإنجليزية، والتي رغم مستوانا المتوسط فيها، إلا أنه يُمكن اعتبارنا خُبراء بها مُقارنة باللغة الفرنسية والتي كنا حديثي العهد بها وبصعوبتها.

مُنظّمة فنلندية تُسمّى IYS اختصارًا لـ”International Youth Services” أي خدمة الشباب الدولية، أُنشئت في عام 1952، لتقدم خدمة تبادل العناوين للمراسلة كأصدقاء قلم ” Pen pal” – ” Pen Friend” بين الشباب من سن 10 إلى 20 عاماً، وذلك عن طريق تزويدهم بنموذج للتعبئة يختار فيه كل شخص بعض المواصفات التي يرغب في تواجدها في الصديق المفترض التراسل معه، وذلك مقابل دولار فقط للعنوان الواحد. استهوتني الفكرة جدًا وانضممت لعدد من الأصدقاء الذين وجدوا الامر مًثيرًا. كان الفضول يدفعنا إلى تكوين صداقات من العالم الذي نراه في الأفلام والمسلسلات، بالإضافة إلى شعورنا بشيء من التميّز عن أقراننا، وكيف لا ونحن نتواصل مع أصدقاء من الغرب!

أبتسم الآن وأنا أتذكّر صدمتنا عندما أدركنا لاحقًا أن الجميع يتواصل من أجل تحسين لغته الإنجليزية، كنا نعتقد بأن جميع الدول خارج العالم العربي تُتقن اللغة الإنجليزية إن لم تكن لغتها الرسمية بالفعل! عندما استلمنا خطاباتنا من أصدقاء المراسلة بالخارج، وجدناهم مثلنا بل وأقل من مستوانا، واكتشفنا لأول مرة في حياتنا أن اللغة الإنجليزية الحقيقية ليست هي الموجودة بالكتاب المدرسي، بل هي الموجودة في الحياة العملية والتي كانت جزءًا منها هي المراسلة. في البداية لم نجد مواضيع نكتب عنها لقلّة مُفرداتنا، كًنّا بالكاد نكتب في خطاباتنا أشياء مثل ” كيف حالك؟ يوم ميلادي هو ….، من فضلك أرسل لي صورتك… ما هو جدولك الدراسي؟ لاحقًا تطوّر الأمر وأصبحنا نكتب عن تاريخ بلادنا أو أفكار تدور في رؤوسنا بشيء من التفصيل.

في مايو 1993 استلمت أول خطاب في حياتي من ماي هيلين… فتاة من النرويج تبلغ من العمر 12 عامَا. ما زلت أذكر يوم عودتي من المدرسة ذاك اليوم. أعبر مدخل بنايتنا فيقابلني حارس البناية بابتسامة واسعة لم أفهم سببها حينها، وعندما دخلت باب المنزل وجدت عُرسًا بالداخل! قابلتني أمي في فخر- ويبدو أن ذلك بسبب تهنئة الحارس لأمي أن ابنها استلم رسالة من بلاد الغرب “بلاد بَرّه”-  وهي تخبرني بأن هناك خطاب لي من النرويج، تهلّلت أساريري وأنا أمسك بالمظروف في يدي، أنظر إليه في لهفة وأنا أكاد لا أستطيع أن أفتحه. قررت أن أنتظر والدي حتى أقوم بفضّه، عندما عاد جلسنا أنا وأخوتي وأبواي، وقمت بفضّ المظروف، وجدت رسالة وصورة للفتاة مع أسرتها. لا أزال أذكر السعادة التي غمرتني حينها، وأنا أقرأ رسالة بسيطة جدًا ليس فيها إلا بضعة سطور.

بعد شهر استلمت الخطاب الثاني من باريس، كان صديقي الفرنسي فرانسوا من برنامج المراسلة المدرسي، للأسف لم نستمر في المراسلة بسبب صعوبة اللغة بالنسبة لي، أو أنه قد شعر بالملل بسبب ضعف مستواي حينها، وله كل الحق في ذلك خاصة أنها لغته الأم.

ازداد عدد أصدقائي باللغة الإنجليزية، وازدادت صداقتنا – على عكس ما توقعته – بسبب أن مستوى انجليزيتنا كانت متقاربة، نحاول جميعًا تطويرها من خلال هذا التراسل. كان عدد أصدقائي قد وصل الخمس عشرة صديق وصديقة، من النرويج وألمانيا وأيرلند وفرنسا، النمسا، تايلاند، إيطاليا، المكسيك، البرازيل، الولايات المتحدة الأمريكية.

بعد مرور عام ونصف تقريبًا أجبرني والداي على التوقف عن هذه الهواية، وذلك من أجل التركيز على امتحانات الثانوية العامة، لتنتهي معها معظم علاقاتي بأولئك الأصدقاء. ولتنتهي حينها أجمل هواية أضافت إليّ الكثير دون أفطن إلى ذلك إلا بعد وقت طويل.

أول ما استفدت به بالطبع هو تطوير معرفتي باللغة الانجليزية، لأنني عندما بدأت في كتابة الرسالة الثانية اكتشفت أنني يجب أن أتحدث عن أشياء أخرى مختلفة عديدة من حولي، بعد أن استهلكت عبارات التعريف والترحيب التقليدية في أول رسالة. اشتريت قاموسًا وبدأت في ترجمة الكلمات التي تساعدني في الكتابة عن المواضيع التي أرغب بكتابتها. شعرت حينها بأنني سفيرًا عن بلدي، فرحت أبحث عن بعض البطاقات البريدية التي تصوّر أماكن سياحية لأقوم بإرسالها لهم مُرفقة بتوضيحات تاريخية عن هذه الأماكن. كان هذا سببًا آخر لتعلّم التاريخ وتنمية حس البحث لديّ. ساعدني ذلك أيضًا على تقبّل الآخرين باختلاف انتماءاتهم، وجدت في تواصلي معهم تنوّعًا ثقافيا كبيرا، كانت لورا من إيطاليا مثلًا تدرس اللغة الإنجليزية منذ سنتين فقط رغم أنها كانت تدرس الرقص منذ سبع سنوات، بينما كان فرانسوا يرسل لي تهنئة بعيد الميلاد المجيد، في حين كانت Nuttacha   من تايلاند بوذيّة. أوضحت لهم أنني مُسلم، بالتأكيد قد سألا المحيطين بهما عن معنى ذلك مثلما فعلت أنا. أرسلت لي Annette   من ألمانيا صورًا عديدة وبعض مقصوصات من الصحف عن احتفالات لكرنفال ما في بلدتها، لأرى الأحداث بعيونها في عصر ما قبل الانترنت والفيسبوك وتويتر، حيث لم يكن التواصل مع الغير من خارج ثقافتنا وأوطاننا العربية بالأمر المتاح. كان كل ما يرسلونه ساحرًا خلّابَا في عيني. تمامَا مثلما كانوا يخبرونني عن انبهارهم بما أرسله لهم عن وطني. جعلني ذلك مدركًا بأن الذي يعيشون بالعالم الغربي هم أناس مثلنا تمامًا، لديهم عيوب ومميزات ونواقص وفضائل، مثل بقية البشر. تدريجيًّا زال الانبهار بعد أن أصبحنا على قدم المساواة في صفحة واحدة يملأها الاحترام المتبادل.

ساعدتني هذه الهواية أيضًا على حُسن اختيار الأظرف والأوراق التي تُكتب فيها الرسائل، وعن فن تزيين الورق وتعطيره، زاد جهدي في ذلك الأمر بسبب خطّي السيء، فكنت أحاول تجميل الرسالة بوسائل أخرى. كان هذا درسًا لي للتركيز على نقاط قوّتي للتغطية على نقاط ضعفي.

بعدما ظهر الانترنت، وبدأت برامج التواصل الاجتماعي بالظهور، أصبح التواصل فوريَا، ولم تعد هناك حاجة للانتظار طويلّا فقد أصبح كل شيء الكترونيّا… البطاقات… الرسائل… الهدايا التذكارية… أصبحت أكثر سرعة وعصرية… أصبحت بلا روح! أغلقت منظمة IYS أبوابها وأنهت أعمالها بشكل نهائي في 30 حزيران 2008، أي بعد ظهور منصة فيسبوك بحوالي عام، ولتتغيّر هوايات البشر وسائل تواصلهم بالتبعيّة مثلما تتغيّر دومًا عبر التاريخ.

ما زلت أحتفظ بخطابات أصدقاء القلم، أقرأها كل فترة وأسبح معها بخيالي أحاول استعادة بعض ذكريات الماضي الذي لن يعود.

عندما أتحدث مع ابنتي عن هذه الهواية، تتعجّب من جدوى إرسال مثل هذه الرسائل في عصرنا الحالي، واندهشت من فكرة اضطرارنا للانتظار وقتًا طويلًا لاستلام أو وصول خطابات بيننا، خاصة وأننا الآن نستطيع أن نرسل الرسالة في لحظة واحدة عن طريق البريد الإلكتروني، أو عن طريق أحد برامج التواصل مثل واتس آب أو فيسبوك ماسنجر. أحاول أن أقنعها بأن قيمة الشيء تكمن أحيانا في عدم توفّره وصعوبة الحصول عليه، صحيح أن التواصل أصبح آنيًا بلمح البصر وهذا شيء رائع في المعاملات التجارية وعند الاطمئنان على الأهل، لكن التواصل بشكل يومي يجعل الانسان يعتاد وجود الآخر حتى لو كان بعيدًا عنه، وهذا لا أراه شيئًا جميلًا، فكما قال نجيب محفوظ ذات يوم “قاتل الله العادة، فهي التي تقتل روح العجب والإعجاب فينا.”

إن كتابة رسالة لشخص ما تلزمك بالتركيز فيما تكتبه له، هي صفحة تجمعك معه في شيء من الخصوصية لا يستطيع أحد اقتحامها، وذلك بعكس المحادثة عن طريق برنامج من برامج التواصل الاجتماعي الحالية، والتي تدفعك للإيجاز دومًا بسبب تشتت الذهن من كمية الرسائل الرهيبة التي تتلقاها أو ترسلها لكثير ممن تعرفهم خلال يومك.

تنظر لي ابنتي وهي تبتسم مُستنكرة من جاء إليها بفكره القديم ليقنعها بأن ماضيه أفضل من حاضرها!

أعود إلى مُطالعة خطاباتي القديمة، وأقرر أن أكتب عنها لعلّ أحد يشاركني تجربة مماثلة، أو يخبرني على الأقل بأنني لست كائنا فضائيا أعيش وحيدًا على هذه الأرض.

شارك.

عن الكاتب

أحمد فؤاد

كاتب وروائي - أرسم حروفًا على الورق لخلق بُعد آخر لهذا العالم.

التعليقات مغلقة.